الشيخ محمد رشيد رضا
214
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مثله ، وكذا قال غير واحد من السلف وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد الدمشقي حدثنا الوليد حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن كعب في قوله ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قال إذا هدمت كنيسة مسجد دمشق فجعلت مسجدا « 1 » وظهر لبس العصب فحينئذ تأويل هذه الآية اه أقول علم من هذه الروايات أن السلف اتفقوا على أن المؤمن لا يكون مهتديا بمجرد إصلاحه لنفسه إذا لم يهتم باصلاح غيره ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويفهم منه ان هذا فرض لازم دائم ، ولكن بعضهم يقول إن فريضة الامر والنهي تسقط إذا فسد الناس فسادا لا يرجى معه تأثير الوعظ والارشاد ، أو فسادا يخشى ان يفضي إلى إيذاء الواعظ المرشد . وقد رجح ابن جرير وغيره من المحققين القول الأول لقوة روايته ، وسائر أدلته ، والتحقيق ان من علم أو ظن ظنا قويا انه يناله أذى إذا أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر يسقط عنه الفرض ، ويكون الامر والنهي
--> ( 1 ) كنيسة مسجد دمشق هي الكنيسة التي كانت ملاصقة للمسجد ، وسبب ذلك ان شطرا من مدينة دمشق فتح صلحا والشطر الآخر فتح عنوة والتقى الفريقان من الصحابة في كنيسة مريم ثم اتفقوا على أن لكل شطر حكمه وبذلك كان شطر الكنيسة للمسلمين فاتخذوه مسجدا وبقي الشطر الآخر كنيسة فكان عنوانا على عدل الاسلام ، وقد كان المسلمون يبذلون للنصارى الكرائم والنفائس في كنيستهم فلا يقبلون حتى أكرههم بعض الأمويين على ذلك ثم ردها لهم عمر بن عبد العزيز . والمراد من الرواية ان المسلمين إذا فسد أمرهم حتى ظلموا أهل الذمة بمثل أخذ كنيستهم الملاصقة للمسجد وبتأنفهم في الزينة بلبس العصب فعند ذلك لا ينفع فيهم وعظ واعظ . والعصب بالفتح ضرب من برود اليمن لا يجمع وانما يقال العصب ، وبرد عصب وبرود عصب ، بالإضافة . قال في لسان العرب : وفي الحديث « المعتدة لا تلبس المصبغة الاثوب عصب » العصب برود يمنية يعصب غزلها - أي يجمع ويشد - ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ . وقيل هي برود مخططة ، والعصب الفتل . والعصاب الغزال ، فيكون النهي للمعتدة عما صبغ بعد النسج . وفي حديث عمر رضي اللّه عنه أنه أراد ان ينهى عن عصب اليمن وقال : نبئت انه يصبغ بالبول ، ثم قال : نهينا عن التعمق اه